السيد كمال الحيدري

61

شرح كتاب المنطق

أي أنّ الفكر البشري بقي عاجزاً لم يستطع أن يحلّ هذه الثغرة منذ زمان أرسطو ثمّ كبار الفلاسفة المسلمين أمثال المعلم الثاني أبي نصر الفارابي ، والشيخ الرئيس ابن سينا ، وشيخ الإشراق السهروردي ، والمحقّق الخواجة نصير الدين الطوسي ، وصدر المتألّهين الشيرازي ومن تابعه ، مروراً بالحوزات العلمية ، وإلى زمانه ( رحمه الله ) . وممّا لا شكّ فيه : أنّ دعوى تحقيق ما عجز عنه هؤلاء الفلاسفة ، تحتاج إلى كثير من المؤونة « 1 » .

--> ( 1 ) تجدر الإشارة إلى أنّه كنت قد خرجت يوماً من بحثه ( رحمه الله ) في علم الأصول وسألته بعض الأسئلة في الأسس المنطقية ، فانفعل ، فسألته عن سبب انفعاله ، فقال : كتبت الأسس المنطقية للاستقراء لكي لا يبقى كتاب حاشية ملا عبد الله الشغل الشاغل لطلاب العلوم الدينية ، ولكي يقرأوا ما كتبته ، لكنّهم لم يفعلوا ذلك . فاعتراضه ( رحمه الله ) كان على قراءة المنطق الأرسطي مع أنّ المنطق الأرسطي طريق من طرق الاستدلال ، كما ذكرنا سابقاً ، لكنّه ليس هو الطريق الوحيد ، بل هناك طرق أخرى منها ما تعتمد عليه العلوم الطبيعية . ولهذا ننصح من يريد أن يصبح من المحقّقين بأن يتقن هذه العلوم جيّداً ، ويقف على ما يقوله العلماء الغربيون ، فإنّ واحدة من الطرق التي استطاع العالَم الغربي أن يلتهم بها الشرق أنّهم درسوا العالم الشرقي وكتبوا في كتبهم الاستشراقية جميع ما وجدوا من الثغرات ، سواء كانت في الكتب الفقهية أو الفلسفية أو كتب الاجتماع . وهذا كان من وظيفتهم . ومما لا شك أنّ كتبنا حوت الكثير من الثغرات والخلل والنواقص ، إذ من الواضح أنّ علماءنا لما دوّنوا كتبهم لم يكونوا معصومين . وقد ذكرنا في أبحاث سابقة نظرية نعيدها هنا للمناسبة ، وهي : لماذا لا يكون عندنا علم الاستغراب كما للعالم الغربي علم الاستشراق ، فنذهب إليهم وندرس كتبهم ونسجّل عليهم الثغرات في أنظمتهم الاقتصادية أو الفكرية أو الفلسفية أو العقدية أو الاجتماعية أو الأخلاقية . . . وغير ذلك من أفكارهم ، فنستخرج ذلك ونقول للناس : انظروا هذا هو الفكر الغربي ، فعلينا أن لا نفهم فكرهم من خلال الطائرة أو العربات أو وسائط النقل المتطوّرة التي يصنعونها والتي ننبهر بها ، بل لابدّ من البحث في منظوماتهم الفكرية وأن نُطلع مجتمعاتنا الإسلامية عليها . علينا أن نعي أنّ سلوكهم الذي يمارسونه ونلمسه منهم كلّ يوم ، لم يكن منفصلًا عن الإطار الآيدلوجي الذي يحكمهم ؛ مما يعني حتمية الاطلاع على أفكارهم منطقياً وفلسفياً وعقائدياً واجتماعياً . . . ولا نقيّمهم من خلال مجموعة أجهزة يصدّرونها إلينا . كتب أحد الباحثين المصريين كتاباً بعنوان علم الاستغراب يقع بثمانمئة صفحة وذكر مقدّمة تحت عنوان علم الاستغراب ، قال فيها : ) ولم أجد في كتب علماء الإسلام والمفكّرين الإسلاميين من اتّخذ موقف الهجوم على الفكر الغربي إلّا محمد باقر الصدر في كتابيه اقتصادنا والأسس المنطقية للاستقراء ( . وفعلًا لم يوجد أحد من العلماء المسلمين من استطاع أن يتصدّى للفكر الغربي إلّا السيد الشهيد ( رحمه الله ) كمهاجم لا كمدافع ، كما هو حالنا اليوم ، مع أنّ المدافع يقدّم خسارة دائماً ، لأنّه يُحارب في عقر داره . ولا ندري كم استوعبنا نحن من هذين الكتابين ؟ ولهذا يجدر بالطالب أن يقرأ بعد المنطق الأرسطي - ولو دورة واحدة - الأسس المنطقية للاستقراء ، ونظرية الاحتمال ، لأنّه هو الطريق الذي يُجمع عليه الغرب في العلوم الطبيعية ( منه حفظه الله ) . .